محمد بن أحمد الفاسي
45
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
بعده ابنه محمد ، إلى أن مات سنة تسع وخمسين وسبعمائة ، على ما هو معروف عند أهل مكة . ولعل نجم الدين خليفة المذكور ، كان ينوب عن الأب وابنه ، واللّه أعلم . ورأيت أن أثبت هذه الحكاية التي ذكرها عنه ابن قيم الجوزية لغرابتها ، على ما هي مذكورة عنه في كتاب : « آكام المرجان في أحكام الجان » ، ونصها فيه : « ونقلت من خط العلامة الشيخ شمس الدين أبى عبد اللّه محمد بن أبي بكر الحنبلي رحمه اللّه تعالى ، وحدثني به أيضا ، قال : وقعت هذه الواقعة بعينها في مكة ، سنة إجراء العين بها ، وأخبرني إمام الحنابلة بمكة ، وهو الذي كان إجراؤها على يده ، وتولى مباشرتها بنفسه ، نجم الدين خليفة بن محمود الكيلاني ، قال : لما وصلنا في الحفر ، إلى موضع ذكره ، خرج أحد الحفارين من تحت الحفر مصروعا لا يتكلم ، فمكث كذلك طويلا ، فسمعناه يقول : يا مسلمين ، لا يحل لكم أن تظلمونا ، قلت له أنا : وبأي شئ ظلمناكم ؟ قال : نحن سكان هذه الأرض ، ولا واللّه ما فيهم مسلم غيرى ، وقد تركتهم ورائى مسلسلين ، وإلا كنتم لقيتم منهم شرّا . وقد أرسلوني إليكم يقولون : لا ندعكم تمرون بهذا الماء في أرضنا ، حتى تبذلوا لنا حقنا . قلت : وما حقكم ؟ قال : تأخذون ثورا ، فتزينونه بأعظم زينة ، وتلبسونه وتزفونه من داخل مكة ، حتى تنتهوا به إلى هنا فاذبحوه ، ثم اطرحوا لنا دمه وأطرافه ورأسه ، في بئر عبد الصمد ، وشأنكم بباقيه ، وإلا فلا ندع الماء يجرى في هذه الأرض أبدا . قلت له : نعم أفعل ذلك ، قال : وإذا بالرجل قد أفاق يمسح وجهه وعينيه ، ويقول : لا إله إلا اللّه ، أين أنا ؟ قال : وقام الرجل ليس به قلبة ، فذهبت إلى بيتي ، فلما أصبحت ونزلت أريد المسجد ، إذا برجل على الباب لا أعرفه ، فقال لي : الحاج خليفة هاهنا ؟ قلت : وما تريد به ؟ قال : حاجة أقولها له . قلت له : قل لي الحاجة وأنا أبلغه إياها فإنه مشغول ، قال لي : قل له : إني رأيت البارحة في النوم ثورا عظيما ، قد زينوه بأنواع الحلىّ واللّباس ، وجاءوا به يزفونه ، حتى مروا به على دار خليفة ، فوقفوه إلى أن خرج ورآه ، وقال : نعم هو هذا ، ثم أقبل به يسوقه والناس خلفه يزفونه ، حتى خرج من مكة ، فذبحوه وألقوا رأسه وأطرافه في بئر . قال : فعجبت من منامه ، وحكيت الواقعة والمنام لأهل مكة وكبرائهم ، فاشتروا ثورا وزينوه وألبسوه ، وخرجنا به نزفه ، حتى انتهينا إلى موضع الحفر ، فذبحناه وألقينا رأسه وأطرافه ودمه في البئر التي سماها ، قال : ولما كنا قد وصلنا إلى ذلك الموضع ، كان الماء يفور ، فلا ندري أين يذهب أصلا ، ولا نرى عينا ولا أثرا .